العادات الموروثة وآثارها التربوية في عالمنا المعاصر

يقول لولده: يا بُني، إنني لم أجْرُأ يوما أن أناقش أمرا صدَرَ من أبى أو أمي، لم أسأل في يوم من الأيام لماذا؟ ينظر الطفل المُشْرف على البلوغ متعجبا حائرا، مما رأى من غضبة أبيه أو أمه! ويدور حوار مشابه بين أم وابنتها حول تفاصيل كثيرة تبدأ باختيار الثياب إلى مجال الدراسة.. ثم إلى الزواج.

عرفت رجلا فاضلا كان يغضب من حفيده الشاب ويتهمه بالعقوق لأنه لا يُقبِّل يده عند المصافحة، فقلتُ إنَّ تقبيل يد الكبار وأهل الفضل سُنَّة محمودة وعادة جميلة عند بعض الشعوب كإخواننا الأتراك، ولكن إذا نشأ الطفل في بيئة أسرية لم تتعود على هذه العادة فعلينا حينئذ أن نتقبل ذلك برحابة صدر. تلك مواقف تُلَخص أحد المشاكل في التربية، وهي تحكيم العادات الموروثة دون إدراك لطبيعة العصر والأجيال الجديدة وطريقة تفكيرها واختلافها العميق عن أجيال الأزمنة القريبة، فضلا عن البعيدة، ورحم الله رجلا عرف زمانه فاستقامت طريقته.

علينا معاشر الآباء والمربين أن نُفرق بوضوح بين معالم الحلال والحرام، ومحكمات الشرع وقطعياته، وسننه وآدابه، وبين الأعراف والعادات التي لا تصلح مع الأجيال الجديدة، ولا لعالمنا الذي أضحى قرية صغيرة. إننا في غَمرة الحماس وتَسلُّط العاطفة، والرغبة العارمة في تحصين أبنائنا وبناء شخصيتهم ننسى أنَّ لهم عقلا ووعيا، وأنَّ لهم الحق أن يختاروا ويقرروا، ومن ثمَّ علينا أن نحترم اختياراتهم، ولا نخشى عليهم من التجارب، ولنتركهم يخوضوها ويتعلموا منها.

قد يرغب الطفل في شراء نوع من الحلوى، وتراه أنه لن يعجبه لمعرفتك المسبقة بمذاقه، لكنه لم ولن يقتنع، فلتتركه وشأنه إذاً، فإن ظهر خطأ اختياره وتَجلَّى حُسن رأيك فلا تُعنفه ولا تُبكته ودع الحقيقة تتحدث، قد يُعيد التجربة لاحقا، وينبغي أن تكرر أنت نفس المسلك الحكيم، لكنك ستخرج بعدها بنتائج من شأنها أن تصقل شخصيته، وتكسبه القدرة على الاختيار الراشد في قابل الزمان.

أين الخلل؟

إنَّ أكبر أزماتنا أننا لا نقرأ القرآن- في كثير من الأحيان – بعقل متأمل، ولا بقلب حاضر. إنَّ الله لم يدفعنا إلى طريق الجنة أو النار دفعا، إنما أودع فينا الملكات والمواهب التي تساعدنا على الاختيار الحر، ثم يجنى في الآخرة كل أمرئ ما قدمت يداه، قال تعالى: “إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا (29) الإنسان، وقال جل شأنه “فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا (39)” النبأ. ولم يقطع عنا فضله ورحمته بسوء أعمالنا وجحودنا لنعمه الوارفة، فمن أقبل عليه آواه، ومن شرد عنه ناداه، ولم يُيْئس عباده من رحمته، ومن زلَّت به قدمه أو مسَّه طائف من الشيطان فإن الليل والنهار يشهدان رحمات الله تتنزل على الطائعين والأوابين. فكيف نتخذ الإكراه بعد ذلك للحق سبيلا؟!

الحرية مصدر الإبداع

عرفتُ رجلا عانى مع والده الحنون عدم القدرة على اختيار أي شيء، قال: اختار لي والدي كل شيء، نوعية الدراسة والطعام واللباس حتى لون حذائي، لم يكن لي الحق في اختياره، وكانت ثمرة هذا النوع من التربية: شخصية مهزوزة مهزومة أينما تُوجهه لا يقدر على شيء. هل يستوي هذا مع مَن اعترف بقدرات ولده واحترمها ونمَّاها ووجها، واحترم عقله ورأيه وإرادته؟ لا يستويان لا حالا، ولا مآلا.

لقد ذكر لنا التاريخ بعض قصص الحرية وما تُفَجره من طاقات وانتصارات، إنها ملحمة عنترة بن شداد، قال له سيده لما أغارت قبيلة طامعة على قبيلته وعجز عن مواجهتها وأدرك أنه عنده رجل لديه من القدرات فوق رعاية الأغنام وحمل المتاع: كُرّ يا عنترة، فقال يا سيدي إن العبد لا يحسن الكر والفَرّ ولكن يحسن الحِلاب والصَّرّ، فقال له كُر وأنت حر، وكأنها كلمة السر التي فتحت مخزون القدرات الخارقة في النفس البشرية، فكَرَّ وأنقذ قومه من هلاك ماحق ودفع عنهم عار الأَسْر والهوان. وهكذا تصنع الحرية بالأفراد والأمم والشعوب.

كلمات صنعت أئمة عظاما

ليس أرْوح للنفس، ولا أنعش للروح وأقوى للإرادة من كلمات الثناء والتحفيز والدعم النفسي التي تجدد الطاقة، وتُلهب العزيمة وتحقق الآمال، وتُنهض العاجز وتُقيل المتعثر. وفي المقابل كم هو مؤلم أنْ يُقابَل الطفل خارج بيته في أوروبا، بالحضانة أو المدرسة التقدير والاحترام ثم يفتقد ذلك في بيته، أو لا يجد تعاملا في بعض المساجد تهوى له نفسه ويسكن به قلبه ويدفعه للتردد عليه برغبة ولهفة.

نعم لقد تلقينا في بلادنا العربية والإسلامية نوعيات رديئة من أساليب التعليم والتربية التي وُلِدت من رحم الاستبداد ولم تنفصل عنه، وتأثرنا بعادات خاطئة تركتْ بصماتها فينا، ولمَّا نستشفي منها بَعْد، لكن ماذا جنى أبناؤنا ليكتووا بنارها؟ علينا أن نُغربل ثقافتنا وعاداتنا، فأما ما انسجم منها مع أصول الدين وفِطَر النفوس فعلى العين والرأس، وما ثبت خطأه بالشرع أو التجربة أو عدم مناسبة تغير الزمان فليس من الحكمة التمسك بأهدابه.

وها هي كلمات صنعت أئمة عظاما، جملة تحفيزية تجعل الإمام البخاري ينطلق ليجمع الجامع الصحيح، فبينما هو في مجلس شيخه اسحق بن راهويه قال: “لو أنَّ أحدكم يجمع كتابا فيما صح من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم”، وتركت العبارة أثرها العميق في نفس الإمام البخاري، فانطلق في جمع الحديث الشريف في ستة عشر عاما ليغدو أشهر كتاب في الحديث الشريف. وها هو الإمام البِرزالي بكلمة سحرية منه تجعل من الإمام الذهبي إماما جليلا عظيما. قال الذهبي: لما رأى الإمام البِرزالي خطي قال لي مستحسنا: إنَّ خطك هذا يشبه خط المحدثين. فحبب الله لي علم الحديث.

وهذه كانت طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صناعة وبناء الإنسان، فطالما قرأنا قوله صلى الله عليه وسلم: نِعْم عبد الله لو كان يفعل كذا، ويقول عن طلحة هو أمين الأمة ويقول لسعد فداك أبي وأمي، ويقول عن خالد وما مثله يجهل الإسلام، ويقول: الله الله في أصحابي، وعن فاتح القسطنطينية وجيشها نعم الأمير ونعم الجيش. وهكذا يفعل الطيب من القول بالقلوب والأرواح. والحقَ أقول: إن كثيرا من معلمي الأطفال في روضات الأطفال والمدارس بألمانيا وأوروبا يتحلون بهذه الصفة المُلهمة، ونرى ثمار هذا الأسلوب في بناء شخصيات واثقة قادرة عن التعبير عن نفسها وإدارة الحياة.

تأثير الزمان والمكان في أسلوب التربية

إننا نُسيء كثيرا حين نغفل أو نتغافل عن أننا تربينا في زمن ولزمن غير زماننا، وفي بيئة غير بيئتنا التي نشأ فيها أبناؤنا، وما لم نتدارك ذلك فإن الفجوة ستتسع أكثر، ولن نزيد إلا جمودا على الرأي والفكر والوسيلة. لقد ورثنا أنَّ الكبار دوما على صواب وأنه من الصعب جدا أن تصادفهم الغفلة، وتَزلَّ بهم أقدامهم يوما، فقلَّما نسمع منهم كلمة اعتراف بالخطأ، أو حكاية عن تجارب فاشلة كما نسمع قصص النجاح وتجاوُز المحن وتحقيق الإنجازات، هذا لسان حال كثير من الشباب، يقولون أيضا: إذا كان الكبار قد خاضوا التجارب دون تهيب، فمن حقنا أن نفعل.. ولم لا؟

على الآباء أن يهمسوا في تلك الحالة في آذان أبنائهم برفق: لَكُم أن تجربوا لكن عليكم أن تستفيدوا مِن خبرات مَن سبقوكم، فإن تجاوزوا الصواب يوما فلا تتبعوهم، والسعيد من اتعظ بغيره، وإن أصابوا فتعلموا منهم، وهناك مساحات كبيرة يمكن أن تبدعوا حيث أخفقنا، وهكذا تتواصل الأجيال ولا تتقاطع، وتتكامل ولا تتنازع، وتصلح الحياة، وينهض العمران، ويسعد الإنسان. لم نتعود أسلوب الحوار والنقاش وطول النَفَس دون انتفاخ الأوردة وتقطيب الجبين وارتفاع الصوت، وإنهاء الحوار بالضربة القاضية حيث نصدر أمرا بوقف الحديث على اعتبار أن الطفل أو الشاب قد تجاوز حده، ولم يعرف قدره، وما هو إلا جدل وتطاول وعدم لياقة في مخاطبة الكبار.

علينا أن نُرْخِي حبال الصبر لأبنائنا، وأن نعلم أنهم في كثير من الأحيان لا يقصدون إساءة إنما يرغبون في الاقتناع، وكِبَر السن لا يعطي مزيدا من النقاط ولا يشفع لك إن خُضت غمار نقاش دون امتلاك أدواته. وعلينا أيضا ألا ننسى أننا كنا مثلهم يوما نجادل – أحيانا- لإثبات الذات وندافع عن قناعاتنا بغض النظر عن مدى وجاهتها، وإننا اليوم لنحمد صنيع من صبر علينا وداوى عجَلَتنا بحلمه وسعة علمه، فعلينا أن نصبر اليوم ونترفق بهم لينسجوا على المنوال نفسه، ويضيفوا إليه تألقا وإبداعا، وصولا إلى تربية جيل موصول بالسماء مصلح في الأرض مستقيم السلوك متألق الفكر صالحا مصلحا. اللهم اهدنا لأقوم الطرق واشرح صدور أبنائنا واهدهم سُبُل السلام.

طه سليمان عامر

رئيس هيئة العلماء والدعاة بألمانيا