الرئيسية / قضايا وآراء / عشرة أيام قرآنية بألمانيا

عشرة أيام قرآنية بألمانيا

بمدينة آرنسبرج بغرب ألمانيا ومن يوم 26 ديسمبر إلى 5 يناير 2019 كان موعدنا مع 100 من الشباب المسلم الذين وفدوا من جميع الولايات ليقضوا عشرة أيام كاملة مع القرآن العظيم في أجواء نادرة يجد المرء فيها قلبه، ويرقى معها بروحه إلى حيث يتلاشى عالم المادة، وتتصل النفس بالملأ الأعلى، وإننى هنا أسجل بعض ما رأته عيني، وأبصره قلبي، وحار فيه عقلي من مشاهد رأيت أن أنقل لكم بعضها. إنني أزداد يقينا كل يوم بأن هذا القرآن محفوظ بإرادة من يعلم السر في السماوات والأرض، فمن يرى تقاطر الشباب من عمر 16 إلى 35 عام من كافة المدن الألمانية ليعكفوا على كتاب الله تعالى قراءة وحفظا وتدبرا يدرك ذلك جيدا، وما نحن إلا من أسباب قدر الله جل في علاه في حفظ كتابه الكريم.أولا: لذةٌ لا تُنال بالمال

قرأنا عن بعض الصالحين قولهم “نحن في نعمة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لحاربونا عليها بالسيوف”. لقد أراد القائل أن يُلفت أنظارنا إلى أن هناك نعيم ومتع أخرى لا تُنال بالمال ولا بالسلطان، إنما بالقرب من الله جلَّ في علاه، إنها لذة القرب منه ومناجاته، والتذلل لعظمته، وبث الشكوى إليه، وصدق التوكل عليه، والإحساس بمعيته ولطفه.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقل عنه ابن القيم في مدارج السالكين”: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”. وقال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول: “إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب”. تلك الجنة التي يحدثنا عنها ابن تيمية وغيره هي سعادة الوصال مع خالق الأكوان، ومن هو أقرب إلينا من حبل الوريد، إنها جنة الإيمان. تلك هي الحياة الطيبة كما وصفها القرآن الكريم: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” النحل:97.

الراسخ في أذهان كثير من الناس أن الدين والدنيا لا يلتقيان، فإن حضر أحدهما اختفى الآخر، فالجمع بين الاستمتاع بالدنيا ونيْل الرضا الأعلى من رب العالمين كالشرق والغرب، هكذا يظن البعض وهو خطأ

نعم كانت أياما من الجنة، 100 من الشباب يترنمون بالقرآن وتهدر أصوتهم به في جنبات المكان، يُرفع الأذان فيهرول الجميع ينتظمون صفوفا راكعين ساجدين بين يدي الله تعالى، لا ينامون من الليل إلا قليلا، وبعد ساعات إذا هم يشهدون قرآن الفجر ويستروحون بنسماته، فإذا حضر وقت اللهو والترفيه والسمر المباح وجدنا ألطف الشباب وأعذبهم فكاهة، وأنداهم صوتا، والكل يتسابق ليُدخل السرور على أخيه، وهكذا كان الحال بين الفتيات. أما عن نعمة المحبة والمودة، وصفاء الأخوة ونقاء القلوب، فقل ما شئتَ فيها إن كنتَ شاعرا، وإلا فردد معي قول الله تعالى: “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” الأنفال:63.

كلما رأيتُ مشاهد الحب والأخوة الصادقة بين الشباب أقول: ليس هناك في الكون علاقة أقوى ولا أرقى ولا أجمل من الحب في الله، إنها مما عجَّله الله لعباده في الدنيا من نعيم الآخرة. وهكذا كانت الروح السائدة بين الشباب في مخيمنا أيامه العشر. هل رأيتَ شباباً في عمر 17 و18 عام يودع بعضهم بعضا عند الإيذان باختتام المخيم تفيض أعينهم من الدمع حزنا أنهم سيفارقون؟!ثانيا: وتحققت المعادلة الصعبة

الراسخ في أذهان كثير من الناس أن الدين والدنيا لا يلتقيان، فإن حضر أحدهما اختفى الآخر، فالجمع بين الاستمتاع بالدنيا ونيْل الرضا الأعلى من رب العالمين كالشرق والغرب لا يجتمعان، أو كالليل والنهار لا يختلطان، هكذا يظن البعض وهو خطأ.. وشبابنا في أوروبا بحاجة لتقديم النموذج العملي لحياة طبيعية، ينسجم الشاب فيها مع فطرته وتعاليم دينه. أكرمنا الله تعالى وعشنا هذه الأيام، وجمع الله لنا أصناف النعيم، وكان شعارنا قول الحق تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)”. الأنعام.ثالثا: للباحثين عن السعادة انظروا واستمعوا للشاب “علي”

يمشي على كرسي متحرك، لكنه أرهقنا وأتعبنا وأحرجنا أمام أنفسنا من كل وجه، فهو في كل صلاة من السابقين، ويحرص على السجود نزولا من الكرسي رغم المشقة الظاهرة، فإن سألناه الأخذ بالرخصة قال: “أستحي من ربي أن لا أقف له، أجد قلبي في بذل الجهد من أجل محبوبي” فإن سألتَ عن حلقات القرآن أثناء المخيم وجدتَه جاداً قارئاً مجتهداً فهو يحفظ ربع القرآن الكريم، وأمله أن يُتمه إن شاء الله. ولمَّا خرجنا في رحلة للغابة وجدتُ النشاط والهمة، والعزم والحزم، والابتسامة الصافية، والضحكة البريئة، والروح الحاضرة، كلما رأيتُه أقول: كم من صحيح أعيا من حوله وكم من قعيد نهض بهمته من عرفه.

دورنا مع القرآن العظيم أن نعيش رسالته، ونتدبر آياته، ونتدارس أحكامه، وأن نستهدي بهداه، ونقتبس نورا من سناه، تنير لنا دروب الحياة

مواقع التواصل 

سألناه عن رسالته في الحياة فأجاب: “الابتسامة” ثم يقول: الإنسان يعيش مرة واحدة فلمَ يحزن؟! قلت: لقد أتعب كثيرٌ من الفلاسفة أنفسهم في الغوص عن أسرار السعادة، ألا فليجسلوا إلى علي ويرونه، لعلهم ينالون منه قبسا ينعش حياتهم ويرد لهم بعض ما فقدوه من الشك والارتياب، عندما يروه سيدركون معنى قول بعض الحكماء: “قيل للسعادة أين تسكنين؟ قالت في قلوب الراضين”. لقد تعلمنا معه من جديد معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ”. رواه مسلم.رابعا: مع تدبر القرآن حياة جديدة

شباب صغار في العمر، كبار في العقول والآمال، يقول لي بعضهم أنه لا يستطيع أن يحفظ آية قبل أن يفهمها، أقول له: وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم كان العمل والتطبيق هو الهم الأكبر لهم مع القرآن العظيم. لم نغفل جانب التدبر والتفسير فكان لنا حظ طيب – بفضل الله –  من المدراسات القرآنية التي حلَّقت بنا نحو المقاصد العالية للقرآن العظيم. دورنا مع القرآن العظيم أن نعيش رسالته، ونتدبر آياته، ونتدارس أحكامه، وأن نستهدي بهداه، ونقتبس نورا من سناه، تنير لنا دروب الحياة. وأخيرا.. غادرنا المكان ولكن بقيت أرواحنا معلقة حتى تعود إليه من جديد.

طه سليمان عامر
طه سليمان عامر 
رئيس هيئة العلماء والدعاة بألمانيا

عن RIGD

Avatar
RIGD

شاهد أيضاً

مشكلاتٌ في حياة مسلمي ألمانيا

الانشطار النفسي.. أولا، أقصد به إن كثيرا من المسلمين المقيمين بألمانيا وبدول أوروبية أخرى يعيشون بجسدهم …